الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

242

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويجوز أن يراد : واستغنى اللّه عن إعادة دعوتهم لأن فيما أظهر لهم من البينات على أيدي رسلهم ما هو كاف لحصول التصديق بدعوة رسلهم لولا المكابرة فلذلك عجّل لهم بالعذاب . وعلى الوجهين فمتعلق اسْتَغْنَى محذوف دل عليه قوله : فَكَفَرُوا وقوله : بِالْبَيِّناتِ والتقدير : واستغنى اللّه عن إيمانهم . وجملة وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ تذييل ، أي غني عن كل شيء فيما طلب منهم ، حميد لمن امتثل وشكر . [ 7 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 7 ] زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 7 ) هذا ضرب ثالث من ضروب كفر المشركين المخاطبين بقوله : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ [ التغابن : 5 ] إلخ ، وهو كفرهم بإنكارهم البعث والجزاء . والجملة ابتدائية . وهذا الكلام موجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم بقرينة قوله : قُلْ بَلى . وليس هذا من الإظهار في مقام الإضمار ولا من الالتفات بل هو ابتداء غرض مخاطب به غير من كان الخطاب جاريا معهم . وتتضمن الجملة تصريحا بإثبات البعث ذلك الذي أوتي إليه فيما مضى يفيد بالحق في قوله : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ [ التغابن : 3 ] وبقوله : يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ التغابن : 4 ] كما علمته آنفا . والزعم : القول الموسوم بمخالفة الواقع خطأ فمنه الكذب الذي لم يتعمد قائله أن يخالف الواقع في ظن سامعه . ويطلق على الخبر المستغرب المشكوك في وقوع ما أخبر به ، وعن شريح : لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا ( أراد بالكنية الكناية ) . فبين الزعم والكذب عموم وخصوص وجهي . و في الحديث « بئس مطية الرجل إلى الكذب زعموا » « 1 » ، أي قول الرجل زعموا كذا . وروى أهل الأدب أن الأعشى لما أنشد قيس بن معد يكرب الكندي قوله في مدحه :

--> ( 1 ) رواه أبو داود عن حذيفة بن اليمان بسند فيه انقطاع